أحمد بن علي القلقشندي
392
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الخصم وسلَّم ، فقال : « إن أعهد فقد عهد من هو خير منّي ، أبو بكر ، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم » فأخذ الخلفاء في ذلك بسنّتهما ، ومشوا فيه على طريقتهما ، فمن راغب عن العهد وراغب فيه ، وعاهد إلى بعيد وآخر إلى ابنه أو أخيه ، كلّ منهم بحسب ما يؤدّي إليه اجتهاده ، وتقوى عليه عزيمته ويترجّح لديه اعتماده . ولمّا كان أمير المؤمنين - أحسن اللَّه مأبه - قد نوّر اللَّه عين بصيرته ، وخصّه بطهارة سرّه وصفاء سريرته ، وآتاه اللَّه الملك والحكمة ، وأقامه لمصالح الرعيّة وصلاح أمر الأمّة ، وعلَّمه ممّا يشاء فكان له من علم الفراسة أوفر قسم ، واصطفاه على أهل عصره وزاده بسطة في العلم والجسم ، فلا يعزم أمرا إلَّا كان رشادا ، ولا يعتمد فعلا إلَّا ظهر سدادا ، ولا يرتئي رأيا إلَّا ألفي صوابا ، ولا يشير بشيء إلَّا حمدت آثاره بداية ونهاية واستصحابا ، ومع ذلك فقد بلا الناس وخبرهم ، وعلم بالتجربة حالهم وخبرهم ، واطَّلع بحسن النظر على خفايا أمورهم ، وما به مصلحة خاصّتهم وجمهورهم ، وترجّح عنده جانب العهد على جانب الإهمال ، ورأى المبادرة إليه أولى من الإمهال ، ولم يزل يروّي فكرته ، ويعمل رويّته ، فيمن يصلح لهذا الأمر بعده ، وينهض بأعبائه الثقيلة وحده ، ويتّبع فيه سبله ويسلك طرائقه ، ويقتفي في السّيرة الحسنة أثره ويشيم في العدل بوارقه ، ويقبل على الأمر بكلَّيّته ويقطع النظر عمّا سواه ، ويتفرّغ له من كلّ شاغل فلا يخلطه بما عداه . وقد علم أنّ الأحقّ بأن يكون لها حليفا من كان بها خليقا ، والأولى بأن يكون لها قرينا من كان بوصلها حقيقا ، والأجدر أن يكون لديها مكينا من اتخذ معها يدا وإلى مرضاتها طريقا ، والأليق بمنصبها الشريف من كان بمطلوبها مليّا ، والأحرى بمكانها الرفيع من كان بمقصودها وفيّا ، والأوفق لمقامها العالي من كان خيرا مقاما وأحسن نديّا ، وكان ولده السيد الأجلّ أبو الفضل المشار إليه هو الذي وجّهت الخلافة وجهها إلى قبلته ، وبالغت في طلبه وألحّت في خطبته ،